غـيِّر مسار عملك تكسب حياتك..!



بقلم: فاطمة موسى
تغيرت أفكار كثير من الشباب والفتيات نحو بعض الأعمال في عصرنا الحالي، وذلك يعود إلى أسباب عدة .. من أهمها : الزيادة السكانية الكبيرة التي يشهدها العالم، وفي القلب منه عالمنا العربي، ومن ثم زيادة كبيرة في أعداد الخريجين في كافة المجالات، وخاصة في المجالات النظرية، وفي المقابل كانت هناك زيادة كبيرة في الاستثمارات في المجالات الصناعية والتجارية والزراعية والخدمية, ولكن كانت أقل من هذه الأعداد الكبيرة التي تضاف سنويًا إلى سوق العمل...
ومن هنا كان التغيير في نظرة الشباب والفتيات تجاه بعض الأعمال التي كانت مرفوضة في الماضي، وأصبحت ممارستها في عالم اليوم أمرًا طبيعيًا ومقبولًا، فالحاجة إلى العمل، وعدم الوقوف في طوابير البطالة، وعدم سؤال الآخرين، وإن كانوا أقرب الناس، دفع الكثير من الشباب والفتيات إلى الاتجاه إلى مجال التدريب الذي يوفر لهم معرفة ما يجهلونه من الأعمال الحرفية والأعمال المكتبية، حتى يعيدوا تأهيل أنفسهم وزيادة خبراتهم، حتى يتمكنوا من الالتحاق بسوق العمل من خلال المهنة الجديدة التي اكتسبوها.
وقد سعدت بما قرأته عن أحد الشباب الذي قال:
«بحثت كثيرًا عن عمل يناسب تخصصي، ولكن لم أجد.. فقررت ألا أهدر وقتًا كثيرًا في البحث، ووضعت أمامي هدفًا سعيت جاهدًا إلى تحقيقه وهو: ألا أمد يدي لأحد ولو كان أقرب الأقربين لي، وأن آكل من عمل يدي .. فالتحقت بدورة تدريبية متخصصة في أعمال صيانة التكييف، ثم تقدمت إلى الشركة التي أعمل بها الآن، فقبلت طلبي، وتم تعيني بها منذ عامين كفنّي تبريد، ولم أجد حرجًا وأنا المتخرج بدرجة البكالوريوس من إحدى الكليات النظرية .. وأنا الآن أزداد خبرة، وفي نفـس الوقت يزداد راتبي، ولم يمنعني عملي من مواصلة دراستي في تخصصي، فأنا الآن أستعـد لإعداد الماجستير، وطموحي إن شاء الله أن أحصل على الدكتوراه».
أعجبت لما قرأته، وتذكرت كثيرًا من الشباب الذين تتكدس بهم الطرقات، وتزداد بهم أرقام البطالة .. ولجأت إلى قلمي أعبر من خلاله عن إعجابي بهذا النموذج الرائع من الشباب، فهاجمتني الأفكار فأخذتني إلى إلقاء الضوء على:
•مفهوم العمل في الإسلام.
•مفهوم نظرة العيب إلى الأعمال المهنية عند شباب المتعلمين.
•        مفهوم نظرة المجتمع إلى الحرفيين، ودورها في تعزيز نظرة العيب عند شباب المتعلمين، ووجوب تغيير تلك النظرة.
مفهوم العمل في الإسلام 
يضـع الإسلام العمل في مرتبة عالية، ويحث عليه الكبير والصغير، الشاب والفتاة، ويرغب الله سبحانه وتعالى في محكم آياته المسلم - الذكر والأنثى – بالسعـي في الأرض وطلب الرزق بالعمل يقول سبحانه : }هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ{ سـورة: الملك: الآية : 15،  وليس العمل فقط بل العمل المتقن، وأن المسلم الذي يتقن عمله له أجر كبير في الدنيا والآخرة، وذلك في قوله تعالى: }مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أو أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُـونَ{ سـورة: النحـل: الآية : 97.
وكذلك حث رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلم في كثير من الأحاديث النبوية الشريفة على السعي الدائم في طلب الرزق، وعلى العمل في أية مهنة تساعده على أن يأكل من عمل يده وتقيه سؤال الناس.. بل وتكون سببًا في مغفرة الله سبحانه له، وأن يتقن هذا العمل ...إلخ .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيََ رَجُلًا، فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أو مَنَعَهُ» رواه البخاري.
وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أمسى كالاًّ من عمل يديه أمسى مغفورًا له» رواه الطبراني. وعن المقداد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمـل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده» رواه البخاري.

نظرة العيب إلى الأعمال المهنية!! 
للأسف الشديد تأصلت نظرت العيب من الالتحاق بالأعمال المهنية اليدوية وغير اليدوية في نفوس الشباب المتعلمين (وخاصة خريجي الجامعات) منذ زمن بعيد، فهم اعتادوا – كما اعتاد من سبقهم – أن مجرد حصوله على الشهادة الجامعية مسوغًا لأن يشغل منصبًا وظيفيًا مكتبيًا مريحًا، يتدرج فيه عن طريق ترقيات دورية إلى أن يصل إلى درجة رفيعة وراتب كبير.. ولم يفطن كثير من الشباب أن الأحوال الاقتصادية بين حال وحال، وأن الأيام دول بين الناس والدول، فالدولة التي كانت تؤمن لخريجي الجامعات هذه الوظائف أصبحت عاجزة الآن عن الاستمرار في هذه السياسة، بحكم التغيرات الاقتصادية المحلية المتأثرة بالتغيرات الاقتصادية العالمية، بل وأصبح القطاع الخاص غير قادر على استيعاب الأعداد الهائلة من خريجي الجامعات – خاصة خريجي الكليات النظرية – بل في كثير من الدول المتقدمة صاحبة الشركات العملاقة بدأنا نلحظ ونسمع كل يوم عن عمليات تسريح واسعة النطاق للعمالة، وهذا يفرض على الشباب أن يتعاملوا مع الواقع الجديد، ويغيروا نظرتهم نحو الأعمال الحرفية المهنية.. ويبعدوا عن تفكيرهم تمامًا نظرة العيب عند امتهان هذه الحرف، ويضعوا نصب أعينهم أن خير البشر على الإطلاق، وهم أنبياء الله كانوا يعملون في مهن وحرف متعددة.
فقد قال عبدالله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما- لرجل جالس عنده، وهو يحدث أصحابه: ادْنُ مِنِّي.
فقال له الرجل: أبقاك الله، والله ما أحسن أنْ أسألك كما سأل هؤلاء.
فقال: ادْنُ مني، فأحدِّثُك عن الأنبياء المذكورين في كتاب الله.
أحدثك عن آدم: إنه كان عبدًا حرّاثًا.
وأحدثك عن نوح: إنه كان عبدًا نجّارًا.
وأحدثك عن إدريس: إنه كان عبدًا خياطًا.
وأحدثك عن داود: إنه كان عبدًا زرّادًا.
وأحدثك عن موسى: إنه كان عبدًا راعيًا.
وأحدثك عن إبراهيم: إنه كان عبدًا زرّاعًا.
وأحدثك عن صالح: إنه كان عبدًا تاجرًا.
وأحدثك عن سليمان: إنه كان عبدًا آتاه الله الملك.
فعلى الشباب أن يدرك تمامًا أن زمن التواكل على الحكومات، وزمن الوظيفة الحكومية ليس هذا الزمن الذي يعيشون فيه، وعليهم إدراك أن طوابير البطـالة التي يصطفون فيها للحصول على وظيفة مكتبية – قد تتوافق مع شهاداتهم - يعلن عنها لن تنقص بل ستزداد هذه الطوابير طالما بقيت العقول تتهافت والأجسام تتزاحم عليها طلبًا لشغلها، وأن الأفضل لهم أن يبحثوا عن عمل ذي عائد أعلى يحقق لهم حياة أفضل بغض النظر عن توافقه أو عدم توافقه مع مؤهلاتهم العلمية.

مفهـوم نظرة المجتمع إلى الحرفيين، ودورها في تعزيز نظرة العيب 
مما لا شك فيه أن نظرة المجتمع للحرفيين يشوبها كثير من الملاحظات، فهي نظرة دونية ترسخت في المجتمع منذ زمن بعيد، يرجع إلى أن صاحب المهنة أو الحرفة اليدوية هو من الناس الذين لم يلتحقوا بالتعليم أو التحقوا به ولم يكملوه، فهم أناس أميون، وأن الأعمال التي يقومون بها تتمشى مع درجة ثقافتهم وتعليمهم.. وهـذه النظرة لا زالت موجودة إلى الآن لدى الكثير من العائلات المكونة للمجتمع، فمعظم العائلات تركز في تربية أبنائها على ترسيخ وجوب الحصول على أعلى الشهادات العلمية، وتعتبر الابن الفاشل في الحصول عليها وصمة عار في جبينها، فضلًا عن العار الأكبر الذي سيلحق بها إذا امتهن أحد أفرادها لمهنة حرفية. ولكن هذه النظرة في الواقع المجتمعي في عصرنا اليوم بدأت حدتها تخف عما كانت عليه منذ عقود قليلة من الزمان، وذلك يرجع إلى التغيرات الاقتصادية التي لحقت بالمجتمعات وأذابت في كثير منها الطبقة المتوسطة التي كانت أحرص من غـيرها على حصول أبنائها على الشهادات العلمية العليا لينتقلوا بها إلى طبقة أعلى، فالتغيرات الاقتصادية وارتفاع مستوى المعيشة أجبر الكثير ممن ينتمون إلى الطبقة المتوسطة على إعادة توجيه مدخراتها إلى الحصول على لقمة العيش بدلًا من إنفاقها على تعليم أبنائها، وبالتالي توجيههم إلى تعلم حرفة يتكسب من خلالها رزقًا يقيه ويقيهم من شر السؤال.
ومما لاشك فيه أن النظرة المجتمعية ككل للحرفيين والمهنيين يجب أن تكون مشجعة ودافعة إلى تغيير نظرة العيب التي يشعر بها شباب المتعلمين عندما يلتحقون بمهنة أو ينوون الالتحاق بها، وأن يعي المجتمع – خاصة الطبقة الغنية – أن وجود هؤلاء الشباب في هذه المهن الحرفية إنما هو في صالحهم من جهات عديدة، فهم سيتعاملون مع مهني مثقف متقن لعمله، وأن انشغال هؤلاء الشباب بعمل يقيهم شر الانحراف سواء باللجوء إلى السرقة أو إدمان المخدرات أو الحقد والحسد على من يتمتعون برفاهية العيش ... إلخ، ومن ثم تقل الجريمة في المجتمع والتي تتأثر بها كل الطبقات.
وقد وضعت كثير من الدول المتقدمة صناعيًا برامج خاصة للشباب تهدف من ورائها إلى زيادة فرص الالتحـاق بمراكز التدريب والتأهيل المهني، ومن ثم انخراط هؤلاء الشباب في أسواق العمل، وعدم وقوفهم في طوابير البطالة، وتعرضهم للوقوع في براثن الانحراف التي قد تؤدي بهم إلى ارتكاب جرائم السرقة، أو الوقوع في قبضة الإدمان المدمر لصحتهم وعقولهم، وبذلك تخسر دولهم أكبر ثرواتها، وهي الشباب، الذي يمثل نصف حاضرها وكل مستقبلها.
وقد أشركت هذه الدول معها في برامج الإعداد لبرامج التدريب، وإعادة التأهيل الخاصة بالشباب والفتيات، الجمعيات المهنية المختصة والشركات الكبرى التي طالبتها بتحديد الأعمال التي ترغب في توافرها في سوق العمل، وكذلك إشراك مراكز التدريب الكبرى والمتخصصة في توفير أماكن وبرامج للشباب لتدريبهم وإعادة تأهيلهم، وخصصت هذه الدول الأموال اللازمة لذلك، وهي تهدف إلى الاستفادة من طاقات الشباب الكبرى في العمليات الصناعية، ومن ثم تحقيق نمو اقتصادي كبير يؤهلها فيما بعد لتحقيق الرفاهية الاجتماعية التي تسعى كل دولة جادة إلى تحقيقها لشعبها.
إن سعي الشاب والفتاة نحو طلب الرزق الحلال من خلال عمل شريف طيب، يدر عليه ما يسد به رمقه، ويغنيه عن ذل السؤال، لهو أفضل له ولها بكل المقاييس، وإن تغيير النظرة نحو الأعمال التي كان يطلق عليها في الماضي أنها أعمال دون المستوى، لهو عين الصواب، فالعمل طالما أنه حلال وشريف لا يعيبه نظرة الناس إليه، والإنسان يكبر في نظر الناس طالما يعف نفسه عن سؤالهم، وينأى بنفسه عن هذا الوضع المهين، ويتذكر الشاب الذكي أن اليد العليا أحب إلى الله من اليد السفلى، ويتذكر أن عمله قد يكون بسيطًا من وجهة نظره، وإنما يكون مهمًا من وضروريًا من وجهة نظر الدولة والمجتمع، وليضع كل شاب وفتاة في ذهنه وذهنها أن الطموح والتطلع إلى الدرجات أو المناصب الأعلى لا يأتي بالتمني، وإنما يأتي بالعمل الدؤوب، وطلب العلم، والمزيد من التدريب لاكتساب المهارات والخبرات.
وليعلم الشاب والفتاة أن الأفكار توجه صاحبها نحو القيام بعمل ما، أو إحداث فعل ما، أو التحدث بكلام ما يعبر عن هذه الأفكار، ومن نعم الله سبحانه أن جعل صفة الاكتساب متوافرة في الأفكار، أي أنها ليست من الأمور المسيـَّر فيها الإنسان مثل: عدم قدرته على اختيار لونه أو طوله أو عمره أو مرضه، إذ يستطيع الإنسان الجاد أن يغير ما بداخله من أفكار هدامة، ويستبدل بها أفكارًا بناءة، ويستطيع أن يغير نظرته نحو أمر ما إلى نظرة مغايرة تمامًا للنظرة السابقة.
وعلى الشاب والفتاة العمل دائمًا من خلال خطة مدروسة، يحددون فيها أهدافهم في الحياة عامة، وأهدافهم من وراء ما يمارسون من عمل في حاضرهم خاصة، وأن تكون لهم أهداف بعيدة المدى، ينظرون إلى أنفسهم إذا تحققت، فالإنسان الجاد هو الذي يتحدى ظروف اليوم، ويحاول أن يتغلب عليها ليصل إلى ما يتمنى أن يرى نفسه فيها في المستقبل
المصدر: مجلة التدريب والتقنية